في الخامس من شهر كانون الأول من سنة 1960 م عثر على لوحة العازفات في حي المضوى إلى الجنوب الغربي من مريمين القديمة فوق سطح الأقبية الأثرية المطلة على دار السيد درويش الحسان , ويتصل أحد هذه الأقبية بنفق نهايته غير معروفة وكان سطح تلك الأقبية يشكل أرضية لبناء يعتقد أنه كان قصراً لأحد ملوك مريمين . وذكر شهود عيان حضروا عملية استخراج اللوحة أنهم شاهدوا لوحتي فسيفساء تقعان إلى الغرب من الجدار الأثري الظاهر في الصورة الفوتوغرافية – المحفوظة لدينا - المأخوذة للوحة قبل اقتلاعها من موطنها الأساسي في حي المضوى , وهاتان اللوحتان تقارباها في المساحة واحدة مرسوم عليها أزواج من الطيور والحيوانات المختلفة وسفينة ورجال ونساء تمثل مشهداً لأسطورة الطوفان البابلية أو قصة النبي نوح التوراتية , وأخرى مرسوم عليها غول ! . وبعد حوالي السنتين استخرجت لوحة العازفات واستخرجت معها هاتان اللوحتان ولم يعد لهن أثر . وقد نقلت لوحة العازفات إلى دمشق ثم أعيدت إلى متحف حماة القديم ثم إلى متحف حماه الجديد وما تزال معروضة فيه حتى الآن .
صنفت لوحة عازفات مريمين بأنها من أجمل اللوحات الفسيفسائية في العالم , وتعتبر من النماذج الفسيفسائية ذات الجودة الفائقة التي تعبر عن أصالة المفهوم والمعنى من خلال الإتقان والبراعة الفنية والتقنية في التنفيذ وفي انسجام الألوان وتوازن التركيب . وتعود لمرحلة الانقطاع النهائي للتقليد والإرث الكلاسيكي الطويل .
وأهم ما يميزها صغر كعوبها الحجرية وتفاصيلها الدقيقة ، وبهاء ألوانها وانسجامها فضلاً عن الحياة والحركة التي تشع من أركانها فقد نفذت اللوحة بكاملها بمكعبات صغيرة معظمها من الرخام المختلطبالزجاج أحيانا وبنعومة كبيرة بمقياس لا يتجاوز نصف سم باستخدام اللون الأسمر الفاتح والرمادي والأشهب والأخضر والأشهب والأخضر الآجري . ونفذت بأبعاد ( 4.25 × 5.37 م )
- تمثل اللوحة مشهداً موسيقياً , والمشهد عبارة عن ستة نساء عازفات أجاد فنان مريمين في رسمهن فبدت وجوهن بشكل واضح وأكسبهن رقة وأنوثة بالإضافة إلى طفلين .والجميع موزعين على كامل الواجهة ويعزفون بأدوات ووسائل موسيقيةمختلفة .
ويظهر العرض فوق منصة خشبية مثقبة بفتحات ثلاثيةكعاكسات لرنين الصوت
وكامل المشهد جاء فوق أرضية ذات زينة وديكور تؤكد أنها منصّةلمسرح
حيث نشاهد جدار ذو تراجع مزود بفتحات تظهر من خلالها إنارة باهرة تحدد مجازاتالظل والنور .
- وتظهر في اللوحة آلات تلك الأيام الموسيقية حيث نجد آلة الأورغن والذي ظهر على شكل أداة من نموذج هوائيأي باستخدام عامل الهواءوليس باستخدام السوائل وذلك عن طريق قربة جلدية تضغط بأرجل
الأطفال ومرتبطة بالآلة بواسطة أنبوب غير منظور .ويبدو هذين الطفلين على شكل إلهين مجنحين بحالة تنكر عن شخصية الإله اليوناني ايروس ( Erose ) يدوسان على دواسات الإيقاع ويحركون أقدامهم فوق القربة النفاخة المخصصة منأجل تزويد الأنابيب والقصبات بالهواء
وظهر الأورغن هنا على شكلخزانة أو صندوق متطاول يحتوي على أنابيب طولانية
وسلسلة من 19 أنبوب عمودي كبير ظهر على أنها مستقلة عن المنفاخ . وقد رفعت فوق حاملة , وهذا يدل على أنه عبارة عن آلة محمولة . وتظهر عازفةالأورغنالتي بدأت العزف مع استدارة الوجه نحو الجمهور .
-وقليلاً إلى الخلف من المشهد توجد عازفة الأجراس ( الجلجليات ) وقد رفعت يدها اليسرى معلنة إلى
رفيقاتها إشارة البدء في العزف تشبه ما يعرف اليوم ﺒ " قائدة الاوركسترا " وجاءت الجلجليات أو الأجراس على شكل شريحتينناقلتين للحركة بشكل مرن تتجمع في القاعدة وتحمل في قمتها صنج أو صفيحة مدورة مننحاس يضرب بها على الأخرى .
( أو بمعنى الصنجات ) فعندما يحرك الموسيقي الآلة فإنالصنجات تتلاطم وتنتج دندنة خفيفة ورنين خشخشة
في وسط اللوحة تظهر عازفة تعزف على آلة موسيقية هندية تتألف من زبادي معدنية
فوق طاولة . عند نقر حوافها بعصي خشبية تصدر أصواتاً موسيقية مختلفة . وهذا الشيء إن دل على شيء فإنما يدل على الخبرات
والتجارب والذوق السمعي والموسيقيالمرهف .
وخلفها إلى اليمين تبدو عازفة معها مزمارين منفصلينواحد في كل يد
وهي آلة وترية إغريقية ذات صندوق وذات رنين عميق تحتوي على ستة أوتار متوازية ومثقلة . وإلى جانبها راقصة الصنجات تتمايل طرباً وتضع في أصابعها الصنجات المجوفة وتبدو على جانب كبيرمن اللطافة والأناقة .
وتمتاز هذه اللوحة بقوة التأليف ودقة التشبيه ووضوح البيان ، فهي فرقة متكاملة تقدم برنامجاً موسيقياً متكاملاً أمام جمهور ذواق يهتم أعضاءالجوقة بارضائه.
وقد اعتبرت الدكتورة Duchesne Guilleminأن لوحة مريمين ذات أهمية كبيرة زودت العلماء الباحثين بوثيقة فنية عن كيفية العزف على الأورغن. وجاءت هذه اللوحة كوثيقةومستند في معرفة الأدوات الموسيقية التي كانت تستعمل عبر التاريخ والتي كان منالنادر العثور عليها .
وهناك كثير من الأمور الملفتة للنظر في هذهاللوحة مثل اللباس وتسريحات الشعر والضفائر ونعومة الوجوه والابتسامات الرقيقةواتساع العيون .
- وقد برزتجمالية اللوحة بالزخرفة النباتية الملتفة كالأغصان والمتكاثرة فوق أرضية سوداء لتشكلإطاراً يحيط بعازفات مريمين , وقد أكدت هذه اللوحة الارتباط في الميول والنزعة المتصنعة في الأدب والفن ومعالجة تعرجات الخضراوات والنباتات المخضرة داخل منظور ونظرة تزيينية وتجميلية حصراً مع انفتاح وانتعاش التويجات والبراعم والثمراتوالورود والأزهار المنفذة بشكل كلي والتي تعتبر شاهد حي وكاف على ذلك .
ونشاهد ضمن هذا الإطار الزخرفي رسومات تمثل رحلة صيد للآلهة خلال فصول السنة الأربعة حيث نرى مشاهد اقتناص رمزية كلاسيكية قوامها أطفالاً مجنحين عراة يمثلون ( إيروس ) اليوناني الذي يمكن تعريفه ﺒ ( كيوبيد ) الروماني حيث يظهر وهو يصوب سهمه نحو ظبية هاربة منه .
، وكلب صيد في عنقه طوق ، ويُرى صورة شخص يحمي نفسه من غضبة أسد هصور يود افتراسه
، بينما سدد شخص آخر ضربة مميتة لثور وحشي هاجمه .
وقد أبدع فنان مريمين في التعبير عن مشاهد الصيد في هذا الإطار عبر رصد حركات الحيوانات الخائفة ، وملامح الرعب والهلع المرتسمة على وجوه بعض الآلهة الماثلين فيها .
- اعتبر الكثير من المؤرخين والباحثين الأوروبيين أن لوحة عازفات مريمين هي اللوحة الأكثر تعبيراًللفسيفساء البيزنطي سواءً بالنسبة إلى الجودة أو التنفيذ أو الأصالة لمشهد العزفالفاخر وبالتالي اعتبروا أن تاريخها يعود إلى الربع الأخير من القرن الرابع الميلادي , أو إلى القرن الخامس الميلادي حيث الانقطاع النهائي للتقليد والإرث الكلاسيكي الطويل وخاصة بعد مراسيم وقوانين الإمبراطور تيودور والمتعلقة بشكل خاصفي إنهاء المفاهيم والتصورات والأهداف الوثنية .
إلا أنه مما لا ريب فيه أن اللوحة رسمت في العهد الوثني وقبل انتشار المسيحية في مريمين كما هو واضح من خلال ظهور الإله ( إيروس ) اليوناني الذي يمكن تعريفه ﺒ (كيوبيد ) الروماني في إطار اللوحة . ومن المعتقد أن مريمين قد أصبحت بكاملها تدين بالمسيحية مع نهاية القرن الثالث الميلادي , ونستدل على ذلك من ذكر أشهر مسيحيي مريمين وهو القديس جلاسيوس الشهيد الذي استشهد في بعلبك بتاريخ 27 شباط سنة 298 م ونقل المسيحيون جثمانه إلى بلده مريمين ودفنوه فيها وبنوا فوق ضريحه كنيسة في الوقت الذي بلغت عمليات اضطهاد المسيحيين ذروتها . أي أن اللوحة رسمت قبل نهاية القرن الثالث الميلادي . كما أننا إذا أمعنّا النظر في تفاصيل اللوحة وخاصة في تسريحة شعر العازفات تلك الموضة من التسريحات التي انتشرت على مدى ربع قرن بعد سنة 244 م وهي السنة التي تولى فيها الامبراطور فيليب العربي العرش في روما , حيث دأبت نساء الطبقة الوسطى – ومنهن نساء مريمين – على تقليد تسريحة شعر الامبراطورة Otacilia زوجة الامبراطور وبالتالي يمكننا أن نستنتج بأن رسم اللوحة يعود إلى الربع الثالث من القرن الثالث الميلادي .
·للاطلاع على المعلومات الكاملة عن لوحة عازفات مريمين وغيرها وأسماء المصادر والمراجع انظر كتاب " كنوز الدهر بين العاصي والبحر " – تأليف وتحقيق المهندس محسن زعنون – قيد الطباعة